تصميم الموقع حــسام هــشام ألعيــداني ، المواضيع تعبر عن رأي كاتبها و لاتتحمل ادارة الموقع اي مسؤلية 
Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in Netherlands / Hague ,Inc Developed and Web designer By Hossam Hisham al Edani
 

   
 
  الابادة اللانسانية

مع المفكر السياسي الدكتور كاظم حبيب
رئيس هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراقية
تحيات عراقية طيبة
 اجرى الحوار: موسى الخميسي

 

لا يخفى عنكم حملة الإبادة اللاإنسانية المنظمة التي يقودها الظلاميون ضد الوجود المندائي في بلدهم الأصلي العراق. والتي اتخذت مظاهر القتل المتعمد واغتصاب النساء وفرض العقيدة الدينية الإسلامية وما صاحب ذلك من ابتزاز ومصادرة الأموال والاستيلاء على البيوت الآمنة، في ظل واقع يكاد يكون شبه صامت ولا أبالي من قبل مؤسسات الدولة وحمايتها المفترضة لأبنائها.
في هذا الظرف العصيب الذي يمر به أبناء طائفتنا المسالمة، وبعد عمليات قتل متواصلة تعرض لها عدد من أبناء الطائفة الأبرياء، كان آخرها عملية قتل الشاب وئام لازم  بكاتم صوت داخل محله الصغير في بغداد، يكون لصوت المثقفين والمفكرين المتنورين من أبناء بلدنا، تضامن إنساني مع محنتنا، ومواقفك الإنسانية المسالمة والمتسامحة التي عودتمونا عليها في كل مناسبة، تمثل احد ابرز الأصوات التي نحمل لها اعتزازا وتقديرا كبيرين.
بمناسبة الأحداث الأخيرة المفزعة التي يتعرض لها أبناء وبنات طائفتنا المسالمة، اطرح عليكم يا أستاذنا الفاضل مجموعة من المحاور أتمنى أن تتاح لكَ الفرصة والوقت المناسب للإجابة عنها لغرض نشرها في وسائل إعلامنا المندائية و العراقية والعربية


أخي الكريم الأستاذ الفنان التشكيلي والكاتب موسى الخميسي المحترم/ عضو هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
تحية طيبة
أولاً أعتذر عن التأخير عن الإجابة بسبب غيابي عن برلين. سأحاول الإجابة عن أسئلتك المهمة فيما يلي:
* - في كتاباتكم التي تؤكد على الاحترام المتبادل بين الديانات كنتيجة ضرورية من نتائج الاعتراف بالاختلاف باعتبار أن لكل أهل دين خصوصياتهم الدينية ولكل فريق أو مذهب داخل الدين الواحد خصوصيته الفكرية، لماذا برأيك لا تراعى مثل هذه الطروحات الواقعية من قبل المرجعيات الدينية العراقية وعدد من الأحزاب السياسية في العراق؟
*** انطلق في كتاباتي من مبادئ أساسية ثبتت في اللائحة الدولية لحقوق الإنسان التي صدرت في العام 1948 وبقية العهود والمواثيق الدولية التي صدرت بشكل خاص في العام 1966 والتي تشكل مجتمعة "شرعة حقوق الإنسان", وهي كلها لوائح وعهود ومواثيق صادرة عن الأمم المتحدة وعن الهيئات والمنظمات الدولية المختصة بهذا الشأن والتي كلها تؤكد على حق الإنسان الفرد أو الجماعات البشرية وحريتها في الإيمان بأي دين أو مذهب أو عقيدة أولاً, ومن واجب الدولة والمجتمع احترام إرادة الإنسان أو الجماعات البشرية في اختيار الدين أو المذهب أو العقيدة التي يرونها متناغمة مع المثل والقيم التي يعتنقها الفرد أو تعتنقها جماعة بشرية معينة. ومن هذا المنطلق التقينا مجموعة من مثقفي العراق ومن المناضلين في سبيل تكريس حقوق الإنسان على هذه المبادئ وشكلنا "هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق", والتي التحق بها, إضافة إلى أعضاء الأمانة العامة الكثير من العراقيات والعراقيين الذين يحترمون الإنسان أساساً ويرون بأن صيانة كرامة الإنسان وحريته وحقوقه هي المسألة المركزية في حياة المجتمع ونشاط الدولة.
إن الرؤية العقلانية والحضارية هي التي ترى بأن الناس في جميع القارات سواسية لا يختلفون ألا في اللغة أو اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب أو العقيدة أياً كانت, وبالتالي يفترض أن لا ينشأ أي تمييز أو عدم مساواة بين البشر لأي سبب كان, لأنهم سواسية حقاً.
من المحزن والمؤسف أن نشير إلى أن البشرية كلها شهدت على امتداد تاريخها الطويل الكثير من المظالم والتمييز وعدم المساواة بسبب الإثنية أو القومية أو الدين أو المذهب أو أي عقيدة أخرى كتابية أو غير كتابية وبسبب الجنس, وغالباً ما كانت الرغبة في الاستغلال والاستعباد أو الفتح والهيمنة أو الاستعمار سبباً في بروز مثل هذه المظاهر السلبية في حياة البشر .
ولقد عانى العالم العربي كله من هذه المحن المريرة عبر التاريخ. أما العراق فكانت محنه كثيرة في هذا الصدد والمظالم التي تعرض لها أتباع الديانات العديدة في العراق كثيرة جداً وعلى امتداد التاريخ, رغم الأحاديث الفنطازية التي تتحدث عن المساواة والاعتراف بالآخر والتسامح بين الديانات في العراق. نعم كانت هناك مواقف فعلية تعبر عن الاعتراف المتبادل والتسامح والتفاعل بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية من جانب الناس العامة الطيبين , ولكن الحكام وكثرة من شيوخ الدين هم الذين كانوا في الغالب الأعم يؤججون العداء لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى, ويحصدون من وراء ذلك ما لذ لهم وطاب, ولكن الموت أو الصراع كان نصيب المجتمع.
يبدو لي بأن المشكلة الكبرى في العراق تبرز في وجود وفعل ثلاثة عوامل جوهرية, وهي:
1 . عرف العراق في تاريخه الطويل مجموعة كبيرة من الحكام المستبدين والقساة الذين مارسوا العنف والقسوة إزاء الناس ولم يحترموا الآخر ولا الرأي الآخر أو الدين الآخر عملياً, كما ميزوا بين أتباع الديانات الأخرى. ومنذ نشوء الدولة العراقية, غيب الدستور الديمقراطي لعام 1925 وشوهت المؤسسات التي أقيمت, ومنها البرلمان. ومنذ وصول القوى البعثية والقومية إلى السلطة غاب الدستور الديمقراطي كلية وغابت المؤسسات الدستورية والديمقراطية. واليوم نشاهد دمجاً غير عقلاني بين الدين عن الدولة ووجود حكومة ذات نهج طائفي مقيت.
2 . تخلف المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ووعياً فكرياً وغياب عملية التنوير الديني والاجتماعي للفرد والمجتمع على صعيد العراق بشكل عام, وتراجع شديد في دور المثقفة والمثقف في الحياة العامة وفي نشر القيم والمعايير الإنسانية والديمقراطية التي تدعو إلى المحبة والمساواة وعدم التمييز واحترام الرأي والرأي الآخر وأحترام كل الأديان والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية غير الفاشية وغير الشمولية.
3 . هيمنة الفكر الغيبي وسيطرة المؤسسات والمرجعيات الدينية التي ترى في المجتمع المدني خطراً عليها, وفي حقوق الإنسان مصادرة أو تغييباً لدورها وحقها في إصدار الفتاوى, إضافة إلى رفض ممارساتها التمييزية. وبسبب غياب نقد الفكر الديني والتنوير الديني تسود الآن في العراق النزعة المتعصبة للدين أو المذهب والمتزمتة إزاء الآخر والمميزة نفسها عن الآخر والتي تقود إلى عدم المساواة وعدم الاعتراف بالآخر وبالفكر أو الدين أو المذهب الآخر.
إن هذا الواقع يؤكد غياب المجتمع المدني في العراقً, بل نحن أمام مجتمع لا يزال يلهث وراء العلاقات العشائرية والمراجع الدينية, كما أن الأرضية الصالحة للمجتمع المدني لم تنشأ في العراق حتى الآن, رغم المحاولات الدستورية التي بدأت في العام 1925 وغيبت بعد فترة وجيزة. إلا أن هذا الواقع هو الذي يدفعنا إلى تشديد النضال من أجل بناء القاعدة المادية للمجتمع المدني, من أجل تحقيق التصنيع والتحديث الزراعي وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة وفئة المثقفين وتطوير وعي الفرد والمجتمع التي تشكل كلها الأساس المادي لبناء المجتمع المدني والديمقراطي الحديث.          
عاش الناس طوال قرون في علاقات عامة طيبة, رغم وجود مصاعب غير قليلة عانى منها اليهود في العراق أو عانى منها الإيزيديون في فترات معينة أو بقية أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, كما في حالة أتباع المذهب الشيعي أو أتباع البهائية مثلا. إلا أن هذا لم يكن على مستوى الحكم, فالتمييز كان سائداً ومستمراً دون انقطاع.
وفي العراق نجد, ومنذ سقوط نظام الاستبداد والقسوة والتعذيب والعهر السياسي في العام 2003, وضعاً مأساوياً حقيقياً بالنسبة لأتباع الديانات الأخرى, ولم يتخلص منها حتى أتباع الدين الإسلامي من السنة والشيعة. والممارس لمثل هذه الأعمال الوحشية ضد الشيعة, هم جماعات سنية إرهابية متطرفة. والممارس لهذه الأعمال الوحشية ضد السنة هم جماعات من الشيعة الإرهابية المتطرفة, إذ أصبح القتل على الهوية شيعية أم سنية لعدة سنوات والخطر لا يزال قائماً.
إلا أن تلك الجماعات, سواء أكانت سنية متطرفة ومتوحشة أم شيعة متطرفة ومتوحشة, كلها توجهت بالحقد والكراهية والأعمال الوحشية الجبانة ضد أتباع الديانات الأخرى, أتباع الديانة المندائية والديانة المسيحية والديانة الإيزيدية وديانات أخرى موجودة في العراق. لقد قتل الكثير من أتباع هذه الديانات وأحرقت معابدهم واغتصبت جمهرة من نسائهم وتمت السيطرة غير القانونية على بيوتهم وأثاثهم وما يملكون وهجروا قسراً إلى خارج العراق لتتم السيطرة على ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة. ولم تقم الحكومة بما يكفي لمواجهة هذا الوضع, رغم الدعوة المتزايدة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بقطع دابر هذه الأوضاع المشينة.        
هناك قاعدة عامة تقول بأن من لا يحترم نفسه, لا يمكن أن يحترم غيره, وهكذا فمن لا يحترم الديانات أو المذاهب الأخرى, لا يحترم دينه أو مذهبه بالذات.
إن بعض المشكلات تكمن في الدين ذاته. فحين تتحدث التوراة عن كون اليهود هم "شعب الله المختار", أو عندما يتحدث القرآن عن : "كنتم خير أمة أخرجت للناس .. .", فلا بد أن تظهر علامات تقلل من أهمية شعوب أخرى أو ترفع من الإحساس لدى المسلمين بأنهم الشعب الأفضل بين أمم العالم من جهة, وأن دينهم هو أفضل الديانات, وهي مشكلة معقدة تخلق أحكاماً مسبقة إزاء الشعوب والديانات الأخرى, رغم وجود مواقع أخرى في التوراة أو الإنجيل أو القران تؤكد على حرية الرأي والدين, كما جاء في القران, "... لكم دينكم ولي دين... " مثلاً من جهة ثانية . 
 
*- لقد أكدتم على الدوام انه لا يجوز أن يساء إلى الإنسان بسبب عقيدته وان أيمان أهل دين ما بصحة عقيدتهم وحقيقتها يجب أن يورث شعورا بالأفضلية ولا بالتميز ولا يؤثر سلبا على العلاقات الإنسانية بين العراقيين، لكن ما هو حاصل الآن على الساحة العراقية يقرأ بشكل مختلف.
*** أؤكد هنا ومن جديد على عدة مسائل أساسية:
1 . من حق أي إنسان أن يؤمن أو يعتنق أي عقيدة دينية أو غير دينية, وعلى الآخرين احترام هذا الحق في كل الأحوال. وهو حق ضمنته لوائح شرعة حقوق الإنسان والدساتير المتحضرة في العالم, كما ضمنه الدستور العراقي الجديد.
2 . إن اعتناق هذه العقيدة أو تلك من هذا الإنسان أو ذاك يأتي عبر ولادة هذا الشخص أو ذاك من أبوين يدينان بهذه العقيدة أو تلك, وهذا يتم بدون اختيار المولود الجديد, بل يورث له اجتماعياً وتقليداً أسرياً من جهة, ويأتي عبر تبني الإنسان وبإرادته الحرة لهذه الدين أو العقيدة أو تلك, إذا ما توفرت له فرصة الدراسة المتفحصة والقناعة بصواب هذا الدين أو العقيدة التي اختارها. أو تأتي عبر فرض دين أو عقيدة معينة على شخص أو مجموعة بشرية تحت ظروف معينة بحيث يتحولون من دين أو عقيدة إلى دين آخر أو عقيدة أخرى بالقسر, ولكنها تتكرس لديهم ولدى من يولد في عائلاتهم بمرور الزمن.
وفي كل هذه الأحوال لا يحق أتباع كل الديانات والمذاهب اعتبار عقيدتهم هي الأفضل, فهي مسألة نسبية بالنسبة لكل فرد أو جماعة, فالموقف يفترض أن يكون متساوياً إزاء جميع الأديان والمذاهب وإزاء أتباعها.
حتى في حالة اعتبار هذا الفرد أو تلك الجماعة بأن دينها أو عقيدتها هي الأفضل, فلا يحق لهم في كل الأحوال ممارسة التمييز إزاء العقائد الأخرى أو الإساءة إليها أو إلى أتباعها. وإذا ما تم ذلك فهذا يعني وقوع تجاوز فظ على الدين الآخر وعلى معتنقي الدين أو العقيدة الأخرى. وهذا ما نلاحظ حصوله اليوم في العراق. وهي كارثة حقيقية ألمت بالعراق وستبقى تستنزف الكثير من الدماء والدموع إلى أن يتسنى للمجتمع تغيير هذا الواقع وفصل الدين عن الدولة واعتبار "الدين لله والوطن للجميع", والبدء ببناء دولة المواطنة.     
في علم النفس الاجتماعي نجد لا في العراق فحسب, بل وفي دول أخرى أو في العالم كله نوع من النمطية في رؤية الإنسان إلى نفسه من جهة وإلى غيره من جهة أخرى. وإذا كانت هذه ترتبط بالشخص وخصائصه وتقاليده الاجتماعية .. الخ, فأنها تنعكس أيضاً على قضايا الدين ومجمل البنية الفوقية في المجتمع. حيث نلاحظ نشوء مسألة ألـ "أنا" والـ "آخر", فأنا الأفضل والأكثر تألقاً والأكثر ثقافة والأكثر وطنية ودينمن الآخر ودين الآخر وثقافة الآخر... هذه نظرة نمطية وحكم مسبق يمارسه الكثير من الناس إزاء الآخرين أو شعب إزاء شعب آخر وحزب إزاء حزب آخر. وهو سلوك غير مناسب وغير مقبول وهو الذي يخلق المزيد من المشكلات بين الشعوب أو القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية. وإذا كانت قد برزت في الجانب القومي بشكل خاص, حيث يرى القوميون من كل الشعوب أنهم الأفضل والأقوى والأعظم, في حين يرون في الشعوب الأخرى الأدنى والأضعف والأقل أهمية, فأنه قد برز أيضاً لدى أتباع الديانات المختلفة في الموقف من دينهم ومن الديانات الأخرى. وإذا وجدت هذه النظرة لدى الجماعات البشرية الصغيرة في الموقف من دينها, فأنه سيؤثر سلبياً بشكل عام على العلاقات مع الديانات الأخرى, ولكنه سيشكل خطراً كبيراً حين ينشأ هذا الموقف لدى الجماعات البشرية الكبيرة التي تؤمن بهذا الدين أو ذاك في موقفها من الديانات الأخرى. وهو ما نلاحظته في المجتمعات الإسلامية إزاء الديانات الأخرى, ومنها الديانة المندائية.
3 . لقد بدأ المجتمع في أعقاب ثورة تموز يتراجع عن الرؤية التمييزية لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى بفعل زخم الثورة الديمقراطي ومعاناة الناس قبل ذاك من بعض مظاهر التمييز في العهد الملكي. ولكن لم يستمر زخم الثورة الديمقراطي طويلاً, إذ سرعان ما هيمن القوميون العرب اليمينيون والبعثيون على السلطة ومارسوا التمييز بمختلف أشكاله وقادوا إلى بروز ظواهر سلبية لدى أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, خاصة وأن الحكم كان في أيدي جماعات قومية رفعت راية الإسلام السني زوراً وبهتاناً. وكانت لسياسات وممارسات حزب البعث وصدام حسين خلال ثلاثة عقود ونصف العقد قد أوجدت أرضية صالحة للتمييز القومي والديني والفكري والطائفي... وحين سقط النظام اشتدت هذه الظاهرة السلبية, خاصة وأن الحكم قد أصبح طائفياً مقيتاً بجدارة! ثم تفاقم ذلك بوجود قوى إرهابية وميليشيات طائفية مسلحة بعضها الكثير يكره أتباع الديانات الأخرى وبعضها الآخر يكره أتباع المذاهب الدينية الأخرى, وبعضها الثالث يكره الجميع. وهكذا حصد الموت الكثير من البشر من مسلمين شيعة ومسلمين سنة, من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين وغيرهم على أيدي هذه العصابات الجبانة التي كانت تقف وراءها قوى وأحزاب سياسية لم تتورع عن دعم ذلك, إذ ممارسته هي أيضاً.
هناك ردة فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية وأخلاقية عميقة في المجتمع العراقي, وسوف تستغرق وقتاً طويلاً للخلاص منها, إذ أن الأساس المادي للخلاص منها لا يزال غير متوفر, وهي المشكلة الأكثر إثارة للفزع لما يمكن أن يحصل في العراق.
إن هناك توجهاً صارخاً يسعى إلى إبعاد أتباع الديانات الأخرى من العراق, وهي جريمة لا تغتفر ويفترض النضال ضد مثل هذا الوجه مهما كان صغيرا أو كما يدعي البعض محدوداً.          
 
* تطال الأقليات الدينية ذات الأصول المتجذرة في هذا البلد ومنذ سنوات حملة إبادة منظمة تقوم بها القوى الظلامية والسلفية شملت حملات قتل واغتصاب وفرض العقيدة الإسلامية على الرجال الذين تم ختانهم تحت سلطة السيف واغتصاب نساء وبنات( موظفات وطالبات) أمام أزواجهن وآبائهن، ولم تتحرك مؤسسات الدولة لفرض الحماية إلا بنطاقها الضيق ولم تصدر المرجعيات الدينية أي فتوى بتحريم قتل أصحاب الوطن الأصليين. برأيك سبب هذا الصمت المتواطئ؟
*** أشرت إلى أن السبب المركزي في بروز مثل هذه الحالات والممارسات الوحشية تكمن في طبيعة ومستوى تطور المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً, المتميز بالتخلف والضعف, إضافة إلى التردي في مستوى الوعي الاجتماعي للفرد والغالبية العظمى من المجتمع وغياب التنوير الديني ليس عند أفراد المجتمع حسب, بل ولدى الكثير جداً من شيوخ الدين والمؤسسات والمرجعيات الدينية ذاتها التي لا تقف بوجه هذه الممارسات, وربما بعضها يؤيد ذلك لأنه يريد حقاً تفريغ المجتمع من الكيانات القومية والدينية الأخرى.
لقد اصدر بعض شيوخ الدين فتاوى ضد القتل, ولكنها لا تعادل عدد الفتاوى والتصريحات والإدانات التي صدرت عن شيوخ دين آخرين نشطوا كل تلك العمليات بصورة مباشرة أم غير مباشر, إضافة إلى دور بعض دول الجوار في كل ذلك.
إن الكثير من شيوخ الدين السلفيين وغير السلفيين لم يفهموا دينهم جيداً, وبعضهم فهمه على أنه حمال أوجه ويقبل بكل التفاسير وممارسة كل الأساليب, وبعضهم فهمه هكذا ولا يجده رادعاً عن القتل أو التعذيب أو الاغتصاب أو الفساد المالي ونهب المال العام ... الخ, خاصة وأن بعضهم يجد في دفع الكفارة حلاً وغفراناً لكل ذنوبه وجرائمه.
القرآن اعترف بالعديد من الديانات التي اعتبرت ديانات كتابية مثل اليهودية والمسيحية والمندائية والمجوسية... وكان هذا الاعتراف يفرض على المسلمين احترام أتباع هذه الديانات ورفض تعريضهم للأذى. ولكن المشكلة تكمن في موقف جمهرة  كبيرة من المسلمين, وخاصة شيوخ الدين والمؤسسات والمراجع الدينية, من الإسلام, إذ يعتبرون دينهم هو آخر الديانات وهو الأفضل بينها وله البقاء, وبالتالي فأن ظهور الإسلام, دين محمد, نسخ جميع الديانات الأخرى, وبالتالي, على أتباع الديانات الأخرى جميعاً أن يتحولوا إلى مسلمين, وإلا فهم كفرة! وفي هذا المأزق لا يوجد أي تنوير عن أهمية وضرورة الاعتراف ببقية الديانات, بل نرى التثقيف يجري برفض الأديان والمذاهب الأخرى. إن لوائح خقوق الإنسان ترفض مطالبة أي إنسان بتغيير دينه أو فرض دين عليه وتمنحه الحق في اختيار دينه أو مذهبه, سواء أكان ديناً كتابياً أم غير كتابي, وفق المصطلح المتداول بين المسلمين.
وما جرى في العراق منذ سقوط النظام البعثي يعتبر كارثة حقيقية بالنسبة للناس ولأتباع مختلف الديانات والمذاهب, إذ لم يخل دين ومذهب إلا وتعرض لأشكال التجاوزات والموت أو التعذيب أو فرض تغيير الدين من خلال أساليب قمعية وإرهابية ولا أخلاقية في آن.
من المؤسف أن أقول بأن المجتمع العراقي لا يزال يعيش ردة فكرية عميقة لم يخرج منها بعد وستبقى لفترة أخرى وستكون قاسية على الجميع, ولكن بشكل خاص على الديانات الأخرى من غير الإسلام.        
*- ما هو السبيل لقيام حملة تضامنية تقوم بها هيئة الدفاع عن الأقليات الدينية العراقية، مع محنة الأقليات العراقية يتم من خلالها دعوة المرجعيات والهيئات الدينية بتحريم الفتاوى التي تحارب وجود أبناء وبنات الأقليات الدينية العراقية وتحرمهم من حقوقهم الإنسانية المشروعة؟ والمطالبة الصريحة لإصدار فتاوى من المرجعيات والهيئات العليا بالضد من  الفتاوى التي يصدرها البعض ضد وجود الأقليات وإحلال دمائها؟
*** إن ما يجري في العراق من اعتداءات واضطهاد وتشريد وقتل فردي وجماعي من جانب القوى الظلامية المتطرفة والقوى الطائفية المناهضة لأتباع الديانات الأخرى إزاء أتباع الديانات والمذاهب الدينية الكثيرة الموجودة في العراق منذ ألاف السنين هو تجاوز على كل الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تقع تحت طائلة القانون, كما إنها تجاوز فظ على كل الشرائع والديانات السماوية وغير السماوية. ومن هنا يفترض القيام بما يلي:
- تشديد الضغط المتواصل والمكثف على الحكومة العراقية لإلزامها بممارسة مسؤوليتها في حماية المواطنات والمواطنين من أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق من أي تجاوز على الكرامة أو الحقوق أو الحياة أو ممارسة التمييز بكل أشكاله ضدهم. إن هذا الضغط يتطلب التحرك على ثلاث مستويات:
** المستوى الأول هو تشكيل هيئة غير حكومية في العراق يتمثل بها أطراف أو أحزاب وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني تسعى إلى تشكيل الوفود لمقابلة المسؤولين, وخاصة الرئاسات الثلاث لوضعها أمام مسؤولياتها والحصول على التزامات واضحة بهذا الصدد. ويتطلب هذا الأمر تحريك الشارع العراقي من أجل ممارسة الضغط على الحكومة لمواجهة الحالة التي أصبحت غير استثنائية في قتل المواطنين من الصابئة المندائيين أو المسيحيين والاعتداء الظالم عليهم وإيقاف هذه الأعمال بكل السبل المتوفرة.
** المستوى الدولي, أي إثارة الموضوع على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وتشكيل وفد كبير يتحرك على مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لتوفير الحماية الكافية لأتباع الديانات العراقية من أجل استمرار وجودهم في العراق وممارسة حقوقهم المتساوية كمواطنات ومواطنين.
** البدء بحملة مكثفة في أجهزة الإعلام الدولية والإقليمية والمحلية لفضح سكوت الكثير من المؤسسات والمراجع الدينية وبعض أطراف حكومية وغير حكومية في العراق عن إدانة تلك التجاوزات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد لكل ذلك.
لا شك في أن بعض المراجع الدينية قد أدانت وتدين هذه الممارسات, ولكنها كانت وستبقى دون المستوى المطلوب. هناك من أصدر فتاوى ضد قتل المسلم, ولكنها لم تتحدث عن الموقف من قتل المواطنة والمواطن العراقيين, إذ لا بد من تحريم قتل الإنسان العراقي أياً كان دينه أو مذهبه أو عقيدته أو قوميته, إذ أن القضية تمس الإنسان أساساً, فهو الذي يذبح في العراق من جانب القوى الإرهابية والظلامية والطائفية السياسية والمليشيات الطائفية المسلحة.
إن القوى الإرهابية والظلامية التي تمتلك السلاح وتمارس القتل تسعى إلى تصفية وجود أتباع الديانات من غير المسلمين في العراق بكل جبن ونذالة, وهي التي تقف خلفها قوى سياسية بعضها صريح في ما يمارسه, ومنه قوى القاعدة العدوانية, وبعضها لا يفصح عن نفسه ولكنه يمارس ذلك في الوقت الذي يمارس العمل السياسي أيضاً.
إن علينا العمل بجدية وبسرعة لكي نمنع تحقيق مثل هذا الهدف الدنيء, هدف تصفية وجود أتباع الديانات الأخرى في العراق بجوار أتباع الدين الإسلامي من مختلف المذاهب الدينية.       
 
 *- ألا تعتقدون بأنه آن الأوان للدولة ورئاستها بتشكيل مجلس أمني مرتبط بها مباشرة يتولى الحماية المباشرة لأبناء الأقليات الدينية؟
*** بناء على هذه الرؤية أشرت إلى ضرورة تشكيل وفد لزيارة الرئاسات الثلاث ومنها رئاسة الجمهورية, إذ فيها نجد وجود قومي, عربي وكردي, ونجد وجود ديني طائفي, شيعي وسني, في حين يغيب عن هذه التشكيلة وعن تشكيلات بقية الرئاسات أتباع الديانات الأخرى في العراق. وفي مثل هذه الحالة القائمة على أساس طائفي, لا بد من تأخذ هذه الرئاسات الثلاث (والحالة المحاصصية ذاتها نجدها في رئاسة الحكومة وفي رئاسة مجلس النواب, إذ أنهما قائمان على نفس التقسيم غير المدني), على عاتقها مهمة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق لا أن تقتصر مهمتها على من تمثلهم من القوميات أو من أتباع الدين الإسلامي بمذاهبه العديدة, بل الدفاع وحماية كل المواطنات والمواطنين في العراق بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب.
من حيث المبدأ لا أرى مناسباً ولا صحيحاً أن نتحدث عن أقليات قومية أو دينية, فبغض النظر عن عدد السكان من أتباع هذه القومية أو تلك ومن أتباع هذا الدين أو ذاك, أو هذا المذهب أو ذاك, فهم مواطنات ومواطنون لهم حقوق متساوية مثبتة في الدستور, رغم كل نواقصه, وأمام القانون, رغم الكثير من عيوبه, إلا أنه يضمن من حيث المبدأ وليس من حيث الواقع حقوق كل المواطنات والمواطنين من حيث المساواة في الحقوق والواجبات.
إن الحل العملي لمشكلة العراق يكمن في تخليص العراق من الدمج بين الدين والدولة والطائفة الدينية والدولة ولا بد من فصلهما, إذ بهذا نضع العراق على طريق "الدين لله والوطن للجميع", وهذا هو المفقود حالياً في العراق.  
من الممكن تشكيل اللجنة المقترحة شريطة أن تفعل الحكومة دور أجهزتها الأمنية والشرطة في مواجهة الأفعال الإجرامية للقوى المناهضة لأتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.

باسم الحي العظيم
 
اشوما اد هيي واشمه اد مندا اد هيي مدخر الي اكا هيي اكا ماري اكامندا ادهيي اكا باثر نهورا بسهدوثا اد هيي وبسهدوثا اد ملكا ربا راما اد نهورا الاها اد من نافشي افرش اد لاباطل ولا مبطل اشمخ يا هيي وماري ومندا ادهيي
والحي المزكي
اعجبني
 
Advertisement
 
حقوق الطبع والنشر
 
تنشر الجمعية الثقافية المندائية في هولندا لاهاي المعلومات الخاصة بها على شبكة الانترنت .
وإذا راودتك الرغبة فى اقتباس المعلومات ، أو استنساخها ، أو إعادة نشرها أو ترجمة أي أجزاء منها بغرض ترويجها على نطاق أوسع ، يرجى تبليغ الجمعية الثقافية المندائية او الاتصال بمدير الموقع وذلك بالضغط على زر مراسلتنا على الجهة اليسرى .
وتحتفظ الجمعية الثقافية المندائية بكافة حقوق الطبع والنشر الخاصة بالمواد المعروضة على صفحاتها على شبكة الإنترنت ، بما فى ذلك الصور والتصميمات والرسوم البيانية.
ويحظر استعمال مواد الموقع للاغراض التجارية او نسخها على سيديات او انتهاك شرعية الموقع .
ويعتبر استعمال اسم الجمعية وشعارها بدون الحصول على إذن بذلك مخالفاً للقانون الدولي بحقوق النشر وممنوعاً منعاً باتاً.
نحن من هذا الموقع نحاول ايصال الافكار والمقالات والتعريف بالدين الصابئي المندائي ونحن بهذا الموقع لانتخاصم مع اي جهة دينية او سياسية اخرى . لذا يحق لجميع الصابئة المندائيين بالحصول مجانا على ما في هذا الموقع بشرط مراسلتنا لنزودهم بالمسموح . ويمكن لجميع المندائيين ان يزودوننا بمقالاتهم ومواضيعهم واخبارهم المهمة و الرئيسية ( بالعربي او بالهولندي او بالانكليزي) وذلك لنشرها مجاناً على موقعنا .
© جميع الحقوق محفوظة للجمعية المندائية في هولندا دنهاخ 2010 Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in the Netherlands / Hague ,Inc
 
Today, there have been 139250 visitors (295371 hits) Total This Week.
=> Do you also want a homepage for free? Then click here! <=
تصميم الموقع حــسام هــشام ألعيــداني© جميع الحقوق محفوظة للجمعية الثقافية المندائية في لاهاي هولندا
Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in Netherlands / Hague ,Inc Developed and Web designer By Hossam Hisham al Edani