تصميم الموقع حــسام هــشام ألعيــداني ، المواضيع تعبر عن رأي كاتبها و لاتتحمل ادارة الموقع اي مسؤلية 
Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in Netherlands / Hague ,Inc Developed and Web designer By Hossam Hisham al Edani
 

   
 
  عبد الجبار عبد الله

 عالم الفيزياء العراقي عبد الجبار عبد الله:
انطفاء وهج العطاء مبكرا
د. علي ثويني

 
تمر في شهر حزيران (يونيو) من كل عام ذكري رحيل الدكتور عبد الجبار عبد الله احد اعلام الفكر والتنوير في العراق وهو من القلائل الذين ارتبطت باسمهم عبقرية الانجاز العلمي وبلاغة المجهود الخاص.
انه خوارزمي وثابت وبتاني القرن العشرين ما عدا كون هؤلاء ولدوا في كنف سمو حضاري بينما ولد هذا الرجل البسيط في كنف حالة تخلف تامة في غيبة الموت مبكرا، ليجعل من ذكري الاجحاف بذكراه مناسبة ذات دلالات تلزمنا للوقوف علي حال الابداع العراقي عموما ومدي امكانية وضع آليات صارمة مستقبلية للمحافظة علي كنوزها من ادران الامية المقيتة.
 
ولد عبد الجبار عبد الله في قلعة صالح بمحافظة العمارة جنوب العراق عام 1911، وكان والده الشيخ عبد الله رئيس طائفة الصابئة المندائيين والتي دخل فيها الي المدرسة الابتدائية فلفت انتباه معلميه منذ الايام الاولي بسبب قابلياته الكبيرة في الحفظ والادراك. واثار اهتمامهم باسئلته الغريبة والمحيرة. وظهر نبوغه العلمي في مرحلتي المتوسطة والاعدادية.
ومع شغفه بالعلوم كان حبه للغة العربية والشعر والادب عظيما، بالاضافة الي حفظه للارقام والمعادلات الرياضية بشكل مذهل وكان عنده ميل فطري لاكتشاف اسرار الظواهر الطبيعية.. اذ لفتت نظره حركة الامواج الساكنة حينا والهائجة احيانا اخري، واطارت اهتمامه الرياح التي كانت تهب وهو في بيئة جنوب العراق الجميلة وجلب انتباهه البرق والرعد والمطر، فاخذت هذه الظواهر لبه فحاول ان يحل رموزها فراح ينهل من الكتب العلمية التي دأب علي اقتنائها كل ما تمكن الي ذلك سبيلا.
 
احب عبد الجبار العلماء الذي انجبتهم الحضارة الاسلامية ايام ازدهارها فانكب علي درس كتبهم ومؤلفاتهم فارتبط بهم ارتباطا روحيا، واجتذبته علومهم وفلسفتهم حتي اطلق اسماءهم علي اولاده. وابي الا ان يسير علي نهجهم، ولذلك كان الاول علي اقرانه في المرحلة الثانوية، فارسل مبعوثا للدراسة الي بيروت بناء علي رغبته ليكون قريبا من اهله ووطنه بدل السفر الي امريكا، كما كان مقررا له في كتاب البعثة العلمية.
 
دخل الجامعة الامريكية في بيروت ودرس الرياضيات واضافة الي دراسته اتقن في تلك الفترة اللغتين الانكليزية والفرنسية ثم تعلم فيما بعد الالمانية والروسية. وعند عودته الي الوطن عين مدرسا في ثانوية العمارة فكان مثالا للاستاذ الناجح محبوبا ومحترما من طلابه وزملائه غير ان المهنة لم ترق له ولم تلب طموحاته او تتفق مع ميوله العلمية فالتحق بمديرية الانواء الجوية في مطار البصرة حيث وجد مكانه المناسب في تطبيق رغباته ومكث فيها اربعة اعوام خلال اعوام (1937 ــ 1941) تميز خلالها بنشاط عجيب وبغزارة معلوماته ودقتها.. فاشتهر كعالم متمرس بعد بحوثه العديدة والكتب التي وضعها ونشرها لحسابه الخاص.
 
وبعد ما ذاعت موهبته علي الملأ نقل الي الاعدادية المركزية في بغداد ليعين مدرسا لمادتي الفيزياء والرياضيات وظل في وظيفته هذه طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية.. وبسبب طموحه الكبير سافر الي الولايات المتحدة ليكمل دراسته في جامعة (MIT) وفي (معهد ماساتشوستس) وهي من اشهر المعاهد العلمية في امريكا والعالم ونال الدكتوراه في وقت قياسي، ولقد عالج في اطروحته الشهيرة نظرية الامواج الجوية وبعد عودته من امريكا الي بغداد عين مدرسا في دار المعلمين العالية، فواصل نشر ابحاثه المهمة وسعي في الوقت ذاته لايجاد رابطة تضم العلماء العراقيين فاسس (جمعية العلوم الرياضية والفيزيائية) وكانت حدثا فريدا في العراق فاستقطبت كل المهتمين بالعلم ونجحت في تحقيق اهدافها المرسومة ومن داخل الجمعية انبثقت لديه فكرة اصدار المجلة العلمية العراقية ونتيجة لجهوده المستميتة تحقق له هذا الانجاز الرائد في بلد يئن من التخلف.
 
في العام 1958 واثر قيام ثورة تموز (يوليو) اسست جامعة بغداد علي يد الزعيم قاسم وبرغبة من الجميع انتخب الدكتور عبد الجبار عبد الله ليكون اول رئيس لها من بين العديد من الاساتذة الكبار. فتسني له ان يضع النظام المنهجي للمنظومة العلمية والتربوية في العراق من خلال النية الصادقة والمنطق السليم والتجربة علي المحك بما توحي به حاجات البلد المستقبلية فدعي الي تأسيس الجامعة التكنولوجية والمعاهد الوسطية (الفنية) والثانويات المتخصصة واتاح فرص الدراسات للمبعوثين للخارج بحسب الكفاءة والمفاضلة العلمية للطلاب مع تخطيط للكيف والكم الذي يضمن للعراق اكتفاء من العلماء والمتخصين بدون ادني ضلوع بالانحياز او الموالاة او المحاباة او المنسوبية التي اصبحت فيما بعد سمة و شيمة طفحت للعلن وبدون ادني خجل عندما مُيز الدارسون بحسب انتماءاتهم الطائفية والاقليمية والحزبية. وقد دعي كل ذلك الزعيم قاسم ان يمتشق سيف المباهاة عندما خطب ردا علي خطاب السفير السوفياتي الارمني بمقولته المشهورة (سوف يصدر العراق علماء بعد عشرة سنين). وقد كان ذلك نطقا بكلمة حق استند فيها لشوري وتعاليم موثقة بمعادلات رياضية من لدن هذا الرجل العبقري.
ولقد نجح في مهمته العلمية بجهد جبار واستطاع تذليل الصعاب التي واجهته وتمثلت في جمع شمل الكليات المتفرقة وفي اختيار كادر يتسم بالكفاءة العلمية والادارية. وفي اثناء تلك الفترة سعي جاهدا الي عقد المؤتمر العلمي الاول لجامعة بغداد وكان له ذلك وكانه عريس في اروقتها. وقام كذلك بالتدريس في الجامعة وفي كليات ومعاهد ومدارس كثيرة اخري. ونشط في القاء المحاضرات العلمية في اعقد الامور العلمية فكان قدوة حسنة لكل من درس خلال تلك الفترة.
 
وحين حدثت النكبة العراقية بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963وانقلب التخلف علي الحضارة فكان للعلم فيها مصاب ومهانة وسوء طالع ولرجالاته البخت العاثر الذي لاقوه خلال التقتيل والتعذيب والحبس والحساب العسير وكان علي رأسهم هذا الرجل الجليل الذي كان التنكيل به من اكثر ما ميز وطبع تلك الفترة والتي اكدت السلطة الجديدة من خلاله انتمائها الحضاري ومدي وعيها فقد اودع غياهب السجن ثلاثة اعوام ونيف لاقي فيها الحيف والاذلال وعندما تدخلت اطراف خارجية لاطلاق سراحه رحل مباشرة الي الولايات المتحدة الامريكية وانظم الي مركز ابحاث الفضاء في كولورادو وعين بعدها استاذا في جامعة نيويورك بالرغم من اعتلال حاله بعد المعاناة الجسدية والنفسية.
 
لقد ادرك العلماء الامريكيون اهمية هذا العالم الجليل وفائدته فاحتضنوه وبالغوا في اكرامه. وكانوا علي دراية بمساهماته المهمة في علم الانواء الجوية منذ نهاية الاربعينيات ومطلع الخمسينيات في جامعة MIT اولا، وفي جامعة نيويورك من بعد.. وكعالم استقدم في برنامج الدراسات المتقدمة للمركز الوطني للابحاث الجوية في (بولدر ــ كولورادو) ــ ومن ثم كاستاذ جامعي متميز شملت ابحاث الدكتور عبد الجبار اسباب وكيفية تولد الاعاصير والرياح القوية والزوابع والعوامل التي تساعد علي نموها. وكان يصف تلك الظواهر باسهاب وكأنه يراها ويلمسها وكان يبين كل ذلك بمعادلات رياضية مسترسلا بحذق العالم العبقري ويقول في ذلك الدكتور ابراهيم الخميس نشر د. عبد الجبار معظم مقالاته عندما كان في امريكا، ومن يطلع علي اعماله يري انه كان في قلب الجبهة الامامية لعلوم الانواء الجوية، في ذلك الوقت، وان المرء ليعجب كيف استطاع مدرس ثانوية في بلد اقل ما يقال فيه انه متخلف الي هذا المستوي العلمي الرفيع وفي بلد يعتبر من اكثر البلدان تفوقا علميا وتطورا تكنولوجيا.
كان الدكتور عبد الجبار يتمتع بذكاء خارق واصرار علي تحدي الصعاب والمضي قدما في موكب العلم والعلماء والافذاذ وكان يتمتع بخيال خصب وافق واسع واطلاع وفير في مجال تخصصه وكان هادئا في مشيته وطباعه قليل الكلام ولكنه اذا تكلم نطق بالحكمة. هكذا وصفه صديقه الدكتور العالم (عبد الكريم الخضيري) وكان وطنيا غيورا وحريصا علي قيمه وتقاليد بلده، كان متواضعا لا يعرف الكبرياء رغم انه بلغ قمة الانجاز العلمي والاكاديمي مقنعا في مناقشاته بمنطق سليم ورأي سديد..
 
لقد فقد العالم العربي بموته عام 1969 احد ابرز رجالات العلم والمعرفة وهو لم يزل في ذروة النشاط العلمي والتعليمي والتربوي بالرغم من ذكري الاذلال الذي لاقاه من اناس اراد لهم العزة فذلوه، وكان حينئذ في اوج حماسه لتحقيق حلمه برفع شأن العلم في العراق مات الرجل والحسرة تغصه علي بلده وهو علي قمة الابداع ولمعان الفكر بمجال لم يقتحمه بعده غيره في العراق.
واليوم وبعد اربعة عقود من اذلال العلم والعلماء في العراق وخاصة خلال العقد الاخير حيث اطيح بالعلم وطالبيه من عليائه ليصبح هزيلا سقيما مطواعا ومسيرا بحسب الاهواء الحزبية والطائفية والعنصرية الضيقة وليصل العراق من بلد يصدر العلماء فعلا في السبعينيات الي لافظ لهم اليوم وليتحول سمو اخلاق المدرسة العراقية ونزاهة عناصرها الي بؤرة للرشوة وحتي الدعارة.
 
يمكن ان يلاحظ ذوو الالباب اليوم كم هو الفارق في المستوي العلمي بين طبيب او مهندس اكمل دراسته في العراق اليوم وبين من اكمل في الستينيات والسبعينيات ان الفرق شاسع ولا يمكن ان تقارن المنظومة التعليمية في العراق اليوم مع الماضي القريب وكان الاجدر ان يكون عامل الزمن لصالحها.
تردنا رسائل من الاهل في العراق اليوم وما يلفت نظرنا هو عدم قدرة خريج الجامعة علي كتابة رسالة منطقية او كتابة العنوان بالانكليزية، ناهيك عن الذعر الذي نلمسه بين السطور. وهذا ما يجعلنا متيقنين من ان نبات العلم لا يمكن له ان ينمو الا في ارض خالية من الخوف والارهاب والحروب والتسلط علي الرقاب والتسيس القسري للعلم والعلماء. رحم الله عبد الجبار عبد الله الذي بني اساسا هدمه الطغاة
 

 

باسم الحي العظيم
 
اشوما اد هيي واشمه اد مندا اد هيي مدخر الي اكا هيي اكا ماري اكامندا ادهيي اكا باثر نهورا بسهدوثا اد هيي وبسهدوثا اد ملكا ربا راما اد نهورا الاها اد من نافشي افرش اد لاباطل ولا مبطل اشمخ يا هيي وماري ومندا ادهيي
والحي المزكي
اعجبني
 
Advertisement
 
حقوق الطبع والنشر
 
تنشر الجمعية الثقافية المندائية في هولندا لاهاي المعلومات الخاصة بها على شبكة الانترنت .
وإذا راودتك الرغبة فى اقتباس المعلومات ، أو استنساخها ، أو إعادة نشرها أو ترجمة أي أجزاء منها بغرض ترويجها على نطاق أوسع ، يرجى تبليغ الجمعية الثقافية المندائية او الاتصال بمدير الموقع وذلك بالضغط على زر مراسلتنا على الجهة اليسرى .
وتحتفظ الجمعية الثقافية المندائية بكافة حقوق الطبع والنشر الخاصة بالمواد المعروضة على صفحاتها على شبكة الإنترنت ، بما فى ذلك الصور والتصميمات والرسوم البيانية.
ويحظر استعمال مواد الموقع للاغراض التجارية او نسخها على سيديات او انتهاك شرعية الموقع .
ويعتبر استعمال اسم الجمعية وشعارها بدون الحصول على إذن بذلك مخالفاً للقانون الدولي بحقوق النشر وممنوعاً منعاً باتاً.
نحن من هذا الموقع نحاول ايصال الافكار والمقالات والتعريف بالدين الصابئي المندائي ونحن بهذا الموقع لانتخاصم مع اي جهة دينية او سياسية اخرى . لذا يحق لجميع الصابئة المندائيين بالحصول مجانا على ما في هذا الموقع بشرط مراسلتنا لنزودهم بالمسموح . ويمكن لجميع المندائيين ان يزودوننا بمقالاتهم ومواضيعهم واخبارهم المهمة و الرئيسية ( بالعربي او بالهولندي او بالانكليزي) وذلك لنشرها مجاناً على موقعنا .
© جميع الحقوق محفوظة للجمعية المندائية في هولندا دنهاخ 2010 Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in the Netherlands / Hague ,Inc
 
Today, there have been 139250 visitors (295458 hits) Total This Week.
=> Do you also want a homepage for free? Then click here! <=
تصميم الموقع حــسام هــشام ألعيــداني© جميع الحقوق محفوظة للجمعية الثقافية المندائية في لاهاي هولندا
Copyright © 2010, All rights reserved to the Mandaean Association in Netherlands / Hague ,Inc Developed and Web designer By Hossam Hisham al Edani